الجصاص
37
أحكام القرآن
ذلك سائغ يجوز ورود العبادة به ، كاختلاف حكم الطاهر والحائض في الصوم والصلاة واختلاف حكم المقيم والمسافر في القصر والإتمام وما جرى مجرى ذلك ، فمن حيث جاز ورود النص باختلاف أحكام الناس فيه فيكون بعضهم متعبدا بخلاف ما تعبد به الآخر ، لم يمتنع تسويغ الاجتهاد فيما يؤدي إلى الخلاف الذي يجوز ورود النص بمثله ، ولو كان جميع الاختلاف مذموما لوجب أن لا يجوز ورود الاختلاف في أحكام الشرع من طريق النص والتوقيف ، فما جاز مثله في النص جاز في الاجتهاد ، وقد يختلف المجتهدان في نفقات الزوجات وقيم المتلفات وأروش كثير من الجنايات فلا يلحق واحدا منهما لوم ولا تعنيف ، وهذا حكم مسائل الاجتهاد . ولو كان هذا الضرب من الاختلاف مذموما لكان للصحابة في ذلك الحظ الأوفر ، ولما وجدناهم مختلفين في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متواصلون يسوغ كل واحد منهم لصاحبه مخالفته من غير لوم ولا تعنيف ، فقد حصل منهم الاتفاق على تسويغ هذا الضرب من الاختلاف ، وقد حكم الله تعالى بصحة إجماعهم وثبوت حجته في مواضع كثيرة من كتابه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اختلاف أمتي رحمة " وقال : " لا تجتمع أمتي على ضلال " ، فثبت بذلك أن الله تعالى لم ينهنا بقوله : ( ولا تفرقوا ) عن هذا الضرب من الاختلاف ، وأن النهي منصرف إلى أحد وجهين : إما في النصوص أو فيما قد أقيم عليه دليل عقلي أو سمعي لا يحتمل إلا معنى واحدا ، وفي فحوى الآية ما يدل على أن المراد هو الاختلاف والتفرق في أصول الدين لا في فروعه ، وما يجوز ورود العبارة بالاختلاف فيه ، وهو قوله تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ) يعني بالإسلام ، وفي ذلك دليل على أن التفرق المذموم المنهي عنه في الآية هو في أصول الدين والإسلام لا في فروعه ، والله أعلم . باب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلب : في أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية قال الله تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) . قال أبو بكر : قد حوت هذه الآية معنيين ، أحدهما : وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والآخر : أنه فرض على الكفاية ليس بفرض على كل أحد في نفسه إذا قام به غيره ، لقوله تعالى : ( ولتكن منكم أمة ) ، وحقيقته تقتضي البعض دون البعض ، فدل على أنه فرض على الكفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين . ومن الناس من يقول هو فرض على كل أحد في نفسه ويجعل مخرج الكلام مخرج الخصوص في قوله :